|
آسيا
الحقيقية .. الحقيقية !
28-2-1426هـ
حتى 4-3-1426هـ !
لا أظن
أني وفيتها حقها من الحديث المرة الماضية !
أذكر
أن يوم السفر انتابتني نوبة ألم حملت بسببها إلى أقرب مستشفى ، كان الألم
شديداً ، لكني لم أنسَ الحنق حتى في تلك اللحظات ، فعندما وضعوني على
الكرسي المتحرك لم يضعوا تحت قدمي ذلك الشيء الذي من المفترض أن أضعهما
عليه وبقيت قدماي تجرجران في كل أنحاء المستشفى !
لم
أسافر مع عائلتي ، بل مع عمي ، لهذا وحتى آخر لحظة كانوا يسألونني إن لم
أكن بصحة جيدة أن أبقى ، محال ، قلت بأنني على خير حال ، بينما أشعر أن
أحشائي تتقطع ، وبقي الألم يخف تدريجياً على مدى أول ثلاثة أيام قضيتها
هناك !
الأشجار ، مع البحر ، الرمال ، الصخور ، الأعشاب ، تختلط جميعها مع بعضها
البعض ، لا تشعر أن ثمة شيء شاذ .. كل غرفة كانت مستقلة بذاتها ، تقف على
أقدامها الخشبية ، أكواخ مريحة ، وجوه مريحة مع استثناء بسيط ، الاستثناء
البسيط كان ذلك الشاب شديد النعومة الذي يعمل في مطعم الفندق ، يسير مائل
الرأس بغنج ، ويمرر يده في خصلات شعره ، شعرت بشيء غريب في وجهه ، أمسكت يد
زهرة السماء واقتربنا منه نتأمله وجهاً لوجه .. نعم ، إنه يضع أحمر شفاه
بلون مطفأ وقد حدد شفتيه .. إن وجهه غير مريح ولكنه على الأقل ابتسم لنا
ونحن نتأمل هذه النكتة !
قالت
لي خالتي ، بأن مثل هؤلاء الأشخاص سنجدهم في الليل يسهرون في مكانٍ ما
يرتدون التنانير والفساتين الجميلة .. قلت أوه مثير للاهتمام ، إنهم أكثر
أنوثة من الإناث أنفسهن !
تلك
الجزيرة قطعة من النعيم الدنيوي ، زرنا شلالاتها التي تشق طريقها بصعوبة
وبقوة بين الصخور والأشجار .. الأشجار ، مخلوقات عجيبة .. عندنا عندما نريد
أن نرسم شجرة في أبسط أشكالها ، نرسم جذعاً بنياً وعليه كتلة خضراء من
المفترض أن تكون هي الأوراق ، أتساءل عن هؤلاء القوم ماذا يرسمون عندما
يريدون أن يرسموا شجرة .. لشدة ضخامة الجذور تبدو وكأنها أشجار قد تمددت
على الأرض ، بعض الأشجار لم أستطع أن أرفع بصري لأرى قمتها ، بعضها تبدو
وكأنها قد ارتدت وشاحاً ، ولأنني لم أعتد إلا على أشجارنا ، فقد امتلأت
نفسي رعباً من معظم الأشجار هناك !
عند
الشلال تسلقت الصخور حتى اقتربت منه جداً ، شعرت ببرودته تغزو عظامي ،
والرذاذ يغطيني ، فجأة انزلقت !
الصخور
زلقة ، كنت أعرف هذا ، ولكن أخذني الحماس ، المخجل أنني كنت في أعلى منطقة وبإمكان الجميع أن يراني بوضوح!
قريب
الغروب عند البحر ، ذهب الجميع ليلعب ، جلست على الشاطيء أرسم تلك الشجرة
التي تتصدر موقعي ، ثمة مصور فوتوغرافي يبتسم لي ، إنهم بسطاء ، لو ابتسم
لي أحدهم في السعودية لشتمته !
رامبوتان ، إحدى أشهر الفاكهة هناك ، وهنا ، تكاد تكون الفاكهة الوحيدة
التي يعرفها الناس هنا ، الجزء الأول ( رامبوت ) يعني شعر ، هذا واضح ،
فقشرة الفاكهة تبدو كالتسريحة التي يقوم بها الأولاد ويسمونها ( سبايكي ) ،
في طرقات تلك الجزيرة الصغيرة تجد الباعة في كل مكان يبيعون هذه الفاكهة
بالذات ، أما غيرها ، فستحتاج للتعمق قليلاً بحثاً عنها ، قبل آخر يوم لنا
في تلك الجزيرة اشترى عمي ثلاث أكياس كبيرة منها ، كنا سنغادر الجزيرة في
اليوم التالي ، وبالطبع كل شخص مكلف بحمل أغراضه الخاصة ، عندها فكرت زهرة
السماء ، أننا سنكون مضطرات لنقل هذه الأكياس لأن عمي بالطبع لن يقوم بهذه
المهمة أو أخواتها الصغيرات ، عندها اقترحت اقتراحاً عبقرياً أن نسهر عليها
في الليل ونأكلها كلها !
بالفعل
، تحلقنا على الأرض وبدأنا بالأكل ، كنا أربع فتيات ، كان العقاب للفتاة
التي لا تأكل بأن تحمل الباقي في اليوم التالي !
عندما
عرف عمي أننا أكلناها كلها فرح جداً ظناً منه أننا أكلناها تلذذاً
واستمتاعاً ، وقرر أن يشتري كمية أخرى ، حمداً لله أنه لم يفعل !
كان
هذا كله في جزيرة لانكاوي ، المؤسف في الأمر ، أننا كنا نتفرج على بعض
الطيور في أقفاصها ، وبجانب الأقفاص لوحة تتحدث عن هذه الطيور باللغة
الإنجليزية ، وجملة واحدة بالعربية تقول : رجاء لا تؤذي الحيوانات ..
يمكنكم أن تخمنوا أنه لا ترجمة لهذه الجملة بالإنجليزية .. شعرت بالخجل !
***
الجزيرة التالية ، بينانغ ، نعم هي نفسها الجزيرة التي ضربتها الموجات
المدية في حادثة التسونامي !
ذهبنا
إليها بعبّارة بحرية ، جلسنا في مقدمتها وكان الأمر مسلياً لمدة تزيد على
الساعة كنا نرتج بالقوة وكأننا داخل علبة يلهو بها طفلٌ صغير ، كانت
المقدمة ترتفع ثم تهوي بالقوة ، الحقيقة لا أدري ما الذي كان يحدث بالضبط ،
هناك من شعر بالغثيان ، ومن قال بأنه شعر بأنه أغمي عليه ، لم يغير أحدنا
مكانه ، لأننا عندما اكتشفنا قوة الموج لم يستطع أحد التحرك ، لأنه لو وقف
ما استطاع أن يحافظ على توازنه .. بالنسبة لي الأمر كان مسلياً ، ثم إنني
في الثلث الساعة الأخير خلدت إلى النوم ، ولم أستيقظ إلا عندما اكتشفت أن
الجميع بدأ بالنزول ، شعرت بالحنق على هذه زهرة السماء لأنها لم توقظني !
الغريب
أنه في خلال الرحلة كان ثمة فيلم يعرض على شاشات تلفاز معلقة عالياً ،
وبينما لم يستطع أحدنا التحرك قطع فتى سميناً الممر بهدوء وهو يتوجه إلى
الأمام ليحصل على رؤية أفضل للتلفاز ، وكأن كل هذه الأمواج والاهتزازات
العنيفة ليست تحت قدميه !
وصلنا
ظهراً ، تناولنا غداءً عجيباً !
بيتزا
!
أرأيتم
أشد من هذا العبط ؟!
نذهب
إلى ماليزيا أرض من أراضي البهارات والنكهات لنأكل بيتزا !
والأعجب ، أن معظم العرب الذين يذهبون إلى هناك يبحثون عن مطاعم عربية ،
فهم لا يستسيغون الطعام الشعبي ، كنت أظن أن هذا أمرٌ يخصنا أن نحب طعامهم
، ولكن زوج أختي العربي كان يسخر من كل من يبحث عن مطعم عربي هناك !
لا يهم
.. انطلقنا إلى الألعاب التي على البحر ، دبابات البحر ، المظلات وأشياء
كهذه ، لم ألعب ، ولم أتحرك من مكاني ، المراقبة دائماً تكفيني في أمور لم
أقم بها من قبل ، إنها تمتعني ، برغم أن عمي كاد أن يقتلني ، يراني عجوز
محسوبة على الشباب ..
بدت
المظلات ممتعة ، ولكني أخاف المرتفعات ، كما أنني أكره ذلك الشعور بأن
أقدامي ضائعة ، لهذا أخاف من صور الثلوج والبحار !
يقيدونك إلى مظلة ثم يسحبك قارب بحري بحبل بسرعة فترتفع في الهواء ويأخذك
في دورة فوق البحر وأنتَ تطير !
النشاط
الوحيد الذي قمت به هو التحدث مع رجل كان يبيع أصدافاً صغيرة يصنع منها
تماثيل وأشياء بديعة ، كان مزهواً بنفسه ، أخبرني أنه يعرف ألوان الأصداف ،
ويعرف بالضبط أين يجد كل لون ، وأنه الوحيد في هذا الفن ، إنه يقضي نهاره
في جمعها وليله في صنعها ، وبين هذه وتلك يبيع بعضها وأخبرني أنه الوحيد
الذي يصنعها .. وبعدها أخبرني أنه الوحيد الذي يعرف كيف يصنعها ، ثم من
جديد أخبرني أنه الوحيد الذي يعرف كيف يصنعها .. إن لم يقتله الغرور فلا
أعرف شيئاً آخر سيفعل !
بالنسبة لي كان شيئاً لا يعوض ، أردت أن أشتري كل ما عنده ، بالطبع لم أفعل
، ولكني طلبت منه أن أصورها لأريها لأمي ، كنت خجلانة من أن يظنني أحاول
سرقة بعض أفكاره بتصويرها ، لكنه لشدة غروره وقف أمام الكاميرا وهو يعيد ما
قاله من جديد حتى يسجل !
بعد
المغرب مشينا في بعض شوارع هذه المدينة على أرجلنا ، توقف الذكور لأجل مساج
لأقدامهم ، بينما جلست أنا وزهرة السماء وثلة البنات على الرصيف ، أتعرفون
السيارات التي تمر هنا بصوت الأغاني العالية ، نعم مثلها هناك ، الفعل
مضارع ، والفاعل سعودي ، يرقصون في السيارة ، والماليزيون وبنو خواجة
ينظرون ، انهمكت في الرسم متظاهرة أنني لا أعرف من أي البلدان هم !
ابن
خالي قد أصيب في حادث قبل السفر ، وعندما كان الرجل يجري له المساج أخبر
ابن خالي بأنه يعاني من ألم أسفل ظهره ، فابتسم ابن خالي ، هذا صحيح .. بعد
قليل قال له قد أصبت في حادث جحظت عينا ابن خالي وقال له بالعربية : إنك
لساحر مجنون !
ابتعنا
( ساتيه ) للعشاء ، قطع دجاج في عود خشبي ، كان أسوء ساتيه تذوقته في حياتي
، أنبتهم تركوا الماليزيين كلهم الذين هم من أصل إندونيسي ، ليبتاعوه من
ماليزي أصله هندي !
في
بوفيه الإفطار ، كانت لوحات صغيرة أنيقة على مسافات في فوق الطاولة يطلبون
فيها أن يأخذ كل شخص كفايته من الطعام فقط .... بالعربية !
على
الرغم من هذا لم تجدِ نفعاً .. لا أعرف سبباً لأكوام الخبز والكرواسون التي
يجمعونها ، وأكواب العصير ، ومختلف الأطعمة ، التي بالتأكيد لن يتناولوا
ربعها ، رحماك يا إلهي إن منظر أطباقهم كأنها لأشخاص لم يروا نعيماً في
حياتهم قط ، شيء مرعب ، أناسٌ قد خرجوا لتوهم من مجاعة ، في الجهة المقابلة
، كان عمي يشعر بالحنق مني لأني لا أتناول سوى قطعة توست بالمربى وعصير
برتقال وكوب قهوة في كل البوفيهات الإفطارية ، دائماً أقول له أن المتعة في
ذات المكان ، في الجو ، في الصحبة والحديث ، لا يهم ما الكمية التي آكلها
ما دمت أشعر بالاستمتاع لآخر درجة ، ولكنه لم ولن يفهم !
ماذا
أخبركم عن الجو ، تناولنا طعامنا على الطاولات الخارجية التي تطل على البحر
وأحواض السباحة ، ركبنا بعدها قارباً ، اصطحبنا في رحلة بحرية ، اصطادوا
خلالها سمكاً ، اصطادوا ، لأن السمك الخبيث كان يكتفي بسرقة الطعم من
صنارتي ، تظاهرت أنني لا أهتم بالصيد ، وأن تأمل خط الأفق الأخضر بسبب
الأشجار قد أخذ كياني وتفكيري ، وكان الرجل يمر بين الحين والآخر ليسحب
صنارتي ، ويتبادل ضحكة خفية مع أحدٍ غير موجود وهو يضع طعماً آخر !
كان
على متن القارب معنا رجل عجوز بريطاني مترهل في خدمتنا ، إنه صديق القبطان
، حتى أننا عندما وصلنا إلى الشاطيء المسمى بشاطيء القرود كنا نحفر في
الأرض ونشوهها ونطعم القرود ، كان هو يقطع السلطة لنا ويرتب الطاولة ويضع
لنا الكراسي ويجر الطاولة بين الفترة والأخرى حتى تبقى طوال الوقت تحت الظل
، كان المكان خلاباً ، دائماً هناك الأشجار تختلط مع البحر ، والرمال مع
الأعشاب ، والقرود معنا !!
يضع
لنا الأطباق الممتلئة ويتخلص من الفارغة ، يوزع علينا المشروبات الغازية ،
حتى أنه يحمل حقائبنا !
كان
اسمه روبن ، فقال له عمي : أوه روبنسن كروز ، فقال لشهر واحد فقط ربما !
إن (
بينانغ ) بدون رحلة بحرية ، لا تساوي شيئاً تذكروا هذا عندما تذهبون إليها
!
يا ترى
هل لا يزال شو حياً ؟ ولينغ ؟
توجهنا
مباشرة بعدها إلى المطار ، بالطبع لأننا فتيات ، فلم نكن نملك سوى العباءات
التي نرتديها ، أعني أي رفاهية هذه التي تقتضي حملنا عباءة احتياطية ؟!
لا بد
أن رائحتنا كانت مالحة كالبحر ، لكن الجميع كانوا مؤدبين ، فلم تظهر على أي
أحد أي علامة اشمئزاز !
روبن
من جديد في المطار على نفس طائرتنا ، إنه يعود لوطنه ، لكننا ذاهبين لمدينة
أخرى ، لقد أرانا الأشياء التي اشتراها ، وجرب النظارة الشمسية الجديدة ،
إنه رجل لطيف ، مثل هؤلاء القوم أطمع في إسلامهم حقاً !
***
وصلنا
لكوالالامبور ، كان ثمة سائق بانتظارنا ، اسمه ( مزمل ) من سورة المزمل ،
سائق بارع ، أخبرونا أننا نحتاج إلى ساعتين ونصف حتى نصل إلى مدينة ( جنتنغ
) القابعة فوق جبل ، ولكنه – ويا للعجب – أوصلنا في ساعة ونصف ، لا أنسى أن
أقول لكم أن السيارة تعطلت في الطريق ، وأننا توقفنا لشراء شيءٍ ما لم
أعرفه في وقتها ، ولم أعرفه حتى اليوم !
جنتنغ
المدينة الوحيدة في ماليزيا التي يسمح فيها بالمقامرة ، ذات مرة شاهدت
برنامجاً عن الصينيين ، إنهم يؤمنون بالمقامرة ، بل إن دينهم يحثهم عليها ،
لهذا تجد الصينيين هنالك بكثرة ..
جنتنغ
على خلاف بقية المدن التي زرناها ، باردة .. وهي مدينة للعب ، تذهب إليها
لتلهو ، إن ملاهيها ليست ضخمة ، ولكن لا أعرف لماذا هي للعب فقط !
الفندق
رائع ، إن ذهبتم لجنتنغ ، فلا تذهبوا لغيره (
Awana
) .. المكان الذي سكنا فيه لا أعرف ماذا أسميه ، غرفة ، جناح ، شقة ؟ شيء
لا يوصف ، المدخل في الدور الثامن والعشرين ، مدخل بحمام ، صالة ببار صغير
– التفصيل الأخير لا نحتاجه ولكنه مهم ! – غرفة نوم بحمامها ، ودرج يقودك
للدور التاسع والعشرين !
حيث
صالة وغرفتي نوم كل بحمامه الخاص ، وباب يخرجك لبقية الدور التاسع والعشرين
!
الملحوظة المهمة أنه لا توجد خدمة غرف ، يعني لا طعام للغرف ، حتى يحافظوا
على نظافتها .. هل أخبرهم أحداً أن الناس يستعملون السجاد كطبق !
علينا
أن نذهب إلى (جنتنغ ثيم بارك ) بالتلفريك ، في اليوم الأول ركبنا في القديم
، وهو تصرف أحمق لأناس يذهبون أول مرة ، كان علينا أن نقف لأكثر من ساعة في
مكان صغير حار ممتليء بالبشر ينتظرون مثلنا حتى يحين الدور ، المكان يذكرني
بالأفلام القديمة عن الحروب واللاجئين الذين يقفون في الطابور للحصول على
طبق من البطاطا المهروسة بالديدان كنوعٍ من البروتين ، وعندما وصل الصندوق
الذي سيقلنا إلى القمة الأعلى انحشر العشرات فيه ، كما يحدث في قطارات من
الدرجة التي لا أعرفها في مصر ، أو الباصات ، وطوال الوقت ابنة خالتي
الصغيرة تبكي بحرارة من الحر والزحام ، وكأن هذا هو الناقص .. تذكروا أن
تذهبوا إلى التلفريك الجديد !
ألعاب
، أسواق ، مطاعم ، عروض مسرحية ، وسينما ، كلها متصلة بأقدم فندق بني في
مدينة جنتنغ ، من هذا الفندق يمكنك النزول بالدرج إلى ( جنتنغ ثيم بارك ) ،
لكننا لم نسكن فيه لعدم وجود غرف شاغرة ، ثم إن من ذهب إليه يمكنه أن يعرف
ببساطة أنه بالفعل أقدم فندق بني هناك !
الملاهي مقسم لقسمين ، قسم خارجي يعمل حتى السادسة مساء ، والآخر داخلي ولا
أعرف متى يتوقف عن العمل ، ربما لا يفعل !
كل
الألعاب البطيئة ركبناها مع عمي ، وعندما ركب معنا لعبة واحدة سريعة أعلن
أنه لن يعيد التجربة !
وثمة
سر لم أطلع عليه أحداً ، أكثر الألعاب البطيئة التي ركبناها ، كانت تطوف
على الملاهي الداخلي كله من فوق ، عالية ، عالية ، كلهم خرجوا يضحكون من
سخافتها ، إلا أنا !
أنا
مصابة بخوف من الارتفاعات ، لا أحد يركز على هذه النقطة كثيراً ، لأنني لا
أذكرها كثيراً ، ولكنهم تأكدوا من هذا في اليوم التالي عندما ركبنا
التلفريك الجديد وكنت أرى الأرض بعيدة ، أتذكر عندما كنت صغيرة ركبت
تلفريكاً صغيراً في ملاهٍ أحمق ، فأخذت أتشهد والرعب يقتلني !
في أحد
الصباحات ، بقينا في الفندق نلهو فيه ، لقد دفعت مالاً أنا وزهرة السماء
لندخل حظيرة أرانب ، لا زلت حتى اليوم أتساءل عن الموهبة التي يمتلكها
الناس وتمكنهم من حمل الأرانب من قفاها !
الغولف
، لعب الجميع ، عدا أنا بالطبع .. مساحات خضراء شاسعة ، لاعبون فشلة !
ثم جاء
رجل يمشي متبختراً ، خيل إلي أني أرى ريش ذله يهتز .. لم يخطيء ولا في كرة
واحدة !
ثم
لعبتهم المفضلة ، القوس والسهام ، أينما وجد رفقتي هذه اللعبة ، توقفوا
ليلعبوها ، مئات الأسهم أطلقوها ، وزهرة السماء كانت قد كسرت نظارتها ،
فكانت السهام تصيب كل مكان عدا الهدف !
وركبنا
التلفريك الجديد ، عندما رأت زهرة السماء دموعي تنهمر ، ها قد حصلوا على
نكتة جديدة يتسلون بها !
ولكن
للأشخاص الطبيعيين ، فالمناظر مذهلة ، الأشجار الخضراء على مد البصر ،
وتماثيل بين الأشجار تمثل الحياة البدائية لصيادين وأسر تعيش يومها القديم
!
هه !
نسيت
خبر الأحمق الذي قال إن مرايا الفندق ، من النوع الذي يقبع شخص خلفها
ليراقب !
وبالمثل القائل ( وصل المجنون حتى الباب ) ، وهذا المثل من اختراعي ، فقد
علمتهم الطريقة السهلة لكشف هذه المرايا ، ألصق إصبعك ، فإن كانت ثمة مسافة
بين الإصبع و الانعكاس ، فهي حقيقة ، وإن لم توجد فهي كاذبة !
في
اليوم الثالث ، جاءت سامانثا لتأخذنا من جديد لكوالالامبور !
وساماثنا سائقة ثرثارة ، لم تسكت ولا ثانية ، ولكن الحق يقال أنها طيبة
القلب شهمة !
***
كوالالامبور ، مدينة مزدحمة مفعمة بالحياة ، مبانيها عالية ، رأينا مبنى
وزارة الحج – كما أظن – أعلى المبنى كانت كلمة ( الله ) على جميع الجهات ،
شكل الناطحة كان مميزاً ، قطرها كبير من أعلى وأسفل ليضيق من المنتصف ،
يطلقون عليها ( جمال السيدة ) لأنها تبدو وكأنها خصر امرأة !!
من
الأناس الذين يسيرون في الشوارع كنت أرى أن العرق الغالب هم من الصين ، فهم
بوذيون و مسيحيون ، على خلاف الجزر الصغيرة ..
في
الليل ، والليل عندهم يعني الساعة الحادية عشرة مساء ، تقفل معظم المحلات
والمطاعم ، يبدأ الشواذ والأشخاص المخيفين بالخروج .. فتاتان لطيفتان ،
جميلتان ، تتصرفان بتميع زائد عن اللزوم ، إنها العلامة الفارقة لتعرف أنهم
ببساطة ليسوا إناثاً أصلاً !
الأسواق !
أحب
كوالالامبور !
أسواقها ضخمة ، أوصلتنا سامانثا للفندق ، ثم أخذتنا لـسوق ( ميغا مول ) ..
ميغا بالفعل !
لا
أعرف كيف أقدر ، ولكن ربما تحتاج لأسبوع كامل حتى تستطيع زيارته كله ..
المطعم الذي أنصحكم بزيارته ، لا أعرف اسمه ، ولكنكم ستجدونه بسهولة ، تجلس
، ويطهو الشيف أمامك ، ويقسم الطعام على الجميع كطير أنثى تطعم صغارها ..
أما إن كنتم لا تتناولون طعامهم ، فاكتفوا بمطعم ( طربوش ) حتى تصابوا
بالتخمة منه !
على
مدى أسبوع كامل ، تنقلنا بين ثلاث فنادق .. ومن سوقٍ إلى سوق حتى نعود إلى
الفندق ونحن نترنح ..
في يوم
ذهبنا إلى ميغا مول من جديد ، وعند عودتنا ، أخذنا نبحث عن سيارة أجرة يعرف
مكان الفندق ، فأول سيارة اعتذر بجهله ، لكن الثاني تعرف عليه عندما أريناه
بطاقة الفندق ، لم يكن يتحدث الإنجليزية ذاك البوذي الأحمق ، وبينما وجد
الآخرون سيارة أخرى ركبنا نحن معه ، حتى أوصلنا إلى فندق غريب ، شكله مريب
، يقول لنا أن هذا هو الفندق !
ثلاث
لغات مختلفة كانت تدور في السيارة ، واللغة الرابعة كانت الإشارة ، أفهمناه
أنه ليس هذا الفندق وكنا مصرين على ألا ندفع أكثر من سبعة رنجت ، هذه هي
القيمة المفترضة التي نصل بها إلى الفندق!
فرفض ،
ورفضنا ، لا أدري كيف فهمنا بعضنا البعض .. وبصفتي القائد أمرتهم أن
يترجلوا ، وعدنا للفندق سيراً !
لا لن
أدفع قرشاً زائداً لبوذي أحمق ، وإن كان هذا يعني عودتي الفندق سيراً على
رقبتي !
عند
مغادرتنا للسيارة منحناه نظرة نارية ، فبادلنا نظرة مماثلة .. لم يكن الأمر
بخلاً ، ولكن لأننا خدعنا من قبل ، وبالطبع لم نكن نعرف أننا حمقى مخدوعين
حتى أخبرنا سائق أجرة مسلم بأننا كذلك !
كانت
زهرة السماء تمسك بيد أخيها وأنا وحيدة ، كنا نحاول قطع طريق من مكان غير
مخصص للقطع وكان السيد أخاها يبحث عن فرجات تكفيهما هما فقط ، وأنا عديمة
خبرة بقطع الطرق ، أحدثت حركة رائعة في الطريق ذلك اليوم ، أصوات احتكاك
الإطارات بالإسفلت ، وتوقف السيارات بالقوة ، لأنني تجمدت في منتصف الطريق
، حتى إذا ما وصلت للجهة المقابلة ارتفعت أصوات التصفيق والصفير من
الماليزيين الواقفين يشاهدون ما يحدث !
***
مضت
الأيام سريعاً ، كانت مشاعرنا متضاربة ، كنت أشعر أنني افتقد هذا البلد من
قبل أن أغادره ، بينما زهرة السماء فرحة لأنها ستعود السعودية ، اتهمتني
بأنني خائنة في مشاعري ، ولكني لست مثلها ، لا أعلم متى تتسنى لي زيارة
أخرى مثل هذه ، لا أدري إن كنت سأرى هذه الأرض من جديد أصلاً ، إنها تسافر
دائماً ، لهذا هي تفتقد السعودية في النهاية ، لكن أنا أعلم أنني سأبقى
فيها حتى أعلن شهادة التوحيد وأنتقل للرفيق الأعلى ، ما لم يحدث حادث !
***
على
أرض السعودية ، عند نزولنا من الطائرة و ركوبنا الحافلات ، فقدنا زهرة
السماء !
ظننت
أنها توقفت لتقبل الأرض - لقد أقسمت أن تقبل أرض السعودية - وأننا مشينا
بدون أن ننتبه لها ، لكنها للأسف كانت قد صعدت الحافلة من باب آخر !
|