|
نصف يوم في ربوع بلادي ( الجزء الأول )
18-6-1424هـ
للأمانة
العلمية فهي لم تكن ربوع ، ولا حتى ربع بلادي ، لقد كان نصف يوم قضيناه في
( الشفا ) ، وللأمانة العلمية أيضاً أطرح سؤالاً ، ما لفرق بين ( الهدا ) و
( الشفا ) و ( الطائف ) ؟
أعني
جميعها متقاربة ، لماذا لا تضم جميعها ويتم استغلال المساحات الفارغة إلا
اللهم من أشجار بائسة على حافتي الطريق .. المهم ، استيقظت بهمة ونشاط فهذه
أول رحلة منذ بداية الإجازة الصيفية التي أوشكت على الانتهاء ، وضبت حقيبتي
الحمراء ووضعت فيها زجاجتي عصير وكيس بطاطس وكتاب وقلمي ذو الريش الأحمر (
طقم مع الحقيبة ! ) ومحفظتي وسكيني الصغير ومناديل مختلفة من معطرة و منعشة
و صغيرة وكبيرة ، وقطع من العلك والجاكيت الجديد الذي بقيت طوال الليل
استعرضه أمام المرآة لفرط سعادتي به ! ، تعلمون أن درجات الحرارة تتراوح ما
بين الثلاث وأربعين فما فوق ، وإنخفاضها تحت الأربعين يعني عندنا أنه يجب
ارتداء الجاكيت وإلا أصبنا بالأنفلونزا !
كان من
المقرر من الليل أن أذهب مع عمي لأنني الأصغر حجماً ويمكن حشري في أي مكان
بينهم ، في نفس الوقت الذي يمكن استغلال المكان الذي أجلس فيه في سيارتنا
لوضع ثلاجة الماء !
نزلت
للطابق السفلي وكان الجو مكهرب قليلاً فملت على ابنة عمي وسألتها : " هم
ليش يبغوا يروحوا بدري لمن عندهم شر نوم ، ما كان يناموا أحسن ويمشوا
متأخرين بس مروقين ؟! "
قالت في
تهكم وهي تهز كتفيها : " والله ما دري عنهم ! "
خرجت إحدى
أخواتها وهي تبكي لأنها تريد أن تستحم قبل أن نذهب ، لم أكن أعلم أن من
تقاليد الاستحمام أن نبكي قبلها إلا عندما رأيتها ، وغابت عن ناظرينا ولكن
صوت بكاؤها لا زال مستمراً وتمر خالتي من جوارنا وهي تقول : " يااارب أبوكِ
يعصب يا شيخة ويقوم يلطشك " !!
ابتسمت
منتشية وأخذت أردد أغنية الأطفال تلك : نكدو يا نكدو ( من النكد ، ونكدو
تعني الشخص المنكد !) بياع التفاح ، هلأ جا هلأ راح ، بياع التفاح ، يا
بنات ، أيوا ، أبوكم راح ، أيوا ، قصر الأفراح ، أيوا ، وأنا مالي صلاح !!
ثم قامت
ابنة عمي ولنطلق عليها ( زهرة السماء ) لتبحث عن الفانيلة الصوفية التي
سترتديها اتقاء البرد ، وكانت الفانيلة في غرفة خالتي التي لازالت نائمة هي
وعيالها فطرقت الباب ، فاستيقظت خالتي وفتحت لها ..
فأخذت
أمها تنظر بحقد لزهرة السماء وهي تناديها بأحد أسماء الحيوانات ، وهي
تسألها لماذا أيقظت خالتي !
عادت
لتجلس من جديد بجواري وهي ممتعضة ، فملت عليها من جديد وقلت لها : " مو قلت
لك كان ناموا كان أحسن ؟ ! " وأطلقت ضحكة مجلجلة !!
في
السيارة جلستُ بجوار النافذة وثم خالتي تليها ابنتها ولنطلق عليها ( دودي )
ثم زهرة السماء بجوار النافذة الأخرى ، وفي المقعد الخلفي كانت الخادمة
وبجوارها تجلس الثلاث الفتيات الصغيرات ، وهناك ثمة شخصية تتنقل بين هذين
المقعدين لم تكمل عامها الأول ، هكذا يمكنكم مشاهدة المنظر ست فتيات في عين
الحسود وأنا السابعة !
لهذا قرأت
أن هناك دراسة قدمها شخص ما يحمل لقب الدكتور يقول فيها أن في السنين
الخمسة القادمة سيرتفع عدد العوانس من 1 ونصف إلى أربعة ملايين ، في
الحقيقة أشعر بأنني سأكون عانساً في يومٍ من الأيام وما أتمناه من الله ألا
أشعر حينها أنني كذلك !!!
قبل
الشروع في طريق الهدا الملتف قامت دودي بتوزيع اللبان علينا حتى نقاوم ذلك
الضغط الذي نشعر به في آذاننا والذي نستطيع أن نراه جلياً في أكياس البطاطا
التي يزداد انتفاخها ، اقتطعت من اللبان الذي في فمي ووضعته في فم الطفلة
الرضيعة الخالي من الأسنان وأصبحت أمضغ بالقوة أمامها لأشرح لها خطوات مضغ
اللبان ، فأخذت تنظر إلي وتمضغ قطعة اللبان الصغيرة بلثتها الطرية ، لقد
أبقت على قطعة اللبان في فمها ما يجاوز الدقيقتين وهو إنجاز عظيم بالنسبة
لمن في عمرها !
سألت
خالتي : " ايش في شي زمان كان عيب غير مضغ اللبان ؟" والذي نعلمه الآن – يا
عيني – للطفلة الرضيعة !
فقالت : "
والله في أشياء كتير ، مثلاً عيب نحط ماكياج ، لو حطينا يخاصمونا ويقولوا
تبغي تتزوجي عشان كده تحطي ؟ نقوم نستحي "
- ايوه ،
ورجل على رجل زي بياع الفجل كان عيب كمان صح ؟
- ايوه
عيب نحط رجل على رجل قدام الكبار ، وعيب نمشي بالجزمة قدامهم ، والله أم
إقبال – جارتها – لدحين لمن تشوف أحفادها يمشوا بالجزمة قدامها تقول ما هم
متربين ! و ددددددددد ( كلام كتير )
نلف ونلف
، الكثير من الناس يضطرون إلى التقيؤ عند المرور عبر هذا الطريق ، وشاهدت (
جسر البسكوت ) وجسر البسكوت هو جسر يمكنكم رؤيته قريباً من القمة عندما
تكونون على بدايات الطريق ، وبالطبع جسر البسكوت ليست إلا تسمية أطلقها أبي
لأنه يقول أنه لن يستطيع الصمود طويلاً – لا سمح الله - !!!
- اهاااا
بدأنا الشغل اللي مش كويس !
قلتها
عندما شاهدت سيارة متوقفة على جانب الطريق المتلوي كالأفعى ، ويقف بجوارها
رجلان ، ظننتهما خرجا ليدونا بعض الذكريات وكم أن الحب عذاب !
ولكن
عندما اقتربنا منهم عرفت أنهما كانا رجلين من ( بني خواجة ) وقد أمسك كلاً
منهما آلة تصوير ووقف مشدوها يصور الطريق الملتف على الجبال .. يا لطرافة
هؤلاء القوم واندهاشهم لكل شىء ، إنهم يرون كل شىء ساحراً في بلاد الشرق ،
حتى ذلك الرجل الذي يحتضر على ناصية الطريق في أحد شوارع سريلانكا ، يمرون
من جواره وعلامات الدهشة والسعادة على وجوههم وكأنه منحوتة في متحف ما ،
وآلات التصوير في أيديهم حتى القمامة يرون أن طريقة تكومها ساحرة تنافس
لوحة من لوحات كلود مونيه جمالا ! .. فقط لو يعلم هذان الرجلان من بني
خواجة ، آه فقط لو يعلمان أن من أنشأ هذا الطريق ونفذه هي مؤسسة ( بن لادن
) !!!!!
قلت في
نفسي أنه من الجيد وجود أمثال هؤلاء هنا ، على الأقل ليعرفوا أننا نستطيع
فعل أكثر مما يعتقدوا ، بالفعل نستطيع فعل أكثر مما يعتقدوا ، فمع تقدمنا
وازدياد المنحنيات خطورة تزداد الكتابات على الصخور !
شعرت
بالخجل ، عندما يمر هؤلاء ويشاهدون أنه لم يتبقَ من لون الصخور الطبيعي سوى
ما تظهره حلقات الحروف مثل العين والقاف ، ( الحب عذاب ، ذكريات أبو نواف ،
عبيط + عبيطة = حب للأبد ، أسير الغباء ، مخاوي التفاهة ، الثلاثي اللي ما
عندهم مخ ) أشياء عبيطة ياربي !
طيب ، هذا
اجمعوه ولفوه وانسوه .. يا جماعة لوحة منعطفات خطرة ، منعطف خطر ، في أي
لحظة ممكن تأتي سيارة و ( توديك في ستين داهية ) تكتب على لوحة المنعطفات
الخطرة ذكريات البتاع ؟!!!
لدي حل
سهل ممتنع للحد من هذه الظاهرة ، وهي التوقف عن استيراد علب الطلاء هذه
التي تباع بخمسة ريالات!
إن من
يحتاجها فليذهب إلى مكتبة جرير ، أرخص علبة طلاء بـ 36 ريال ، عندما أمر
بجانبها في المكتبة فأنا أقف احتراماً لها ، إن بعضها أغلى من الحذاء الذي
انتعله والحقيبة التي أحملها مجتمعين !!
عندها
نعلم أن من كتب على الجدران هو أحد ميسوري الحال جداً وبهذا نقلص دائرة
المشتبه بهم ، ونضرب دماغهم بيدٍ من حديد !!
وبس !
نلتقي بكم
في الجزء اللي بعده إن شاء الله !
|