::ومن يؤتَ الحكمة ::مكاتيب ::مجرد ثرثرة ::الرئيسة :: زاوية أخرى ::هنا نجوى..حوّل

 

نصف يوم في ربوع بلادي ( الجزء الثاني )

21-6-1424هـ

 

( والنحل رقص حتى جاد بالعسل ِ ) !

الشطر الثاني لبيت ترحيبي أرى أنه تافه ، الشطر الأول نسيته لذلك وجب أن تشكروا الله وتحمدوه لأنه موطن التفاهة ، إن الجمل الترحيبية في مداخل المدن يجب أن تكون سالبة للألباب ، عندما يقرأها الإنسان يحس بروعتها ويعيش كلماتها ، أراهن أن من كتب هذا البيت كان يشرب كوباً من الشاي في غرفة مكتبه المتهالكة ويتحدث مع زميل له وصوت المروحة القديمة أعلى من صوت الرجلين والطلاء الأزرق المتشقق على الجدران ، دون البيتين على طرف ورقة ثم ألقاها إلى زميله وسأله عن رأيه فقال له جيد ، ثم ها هما البيتين في مدخل مدينة في اليوم التالي !

توقف عمي لدى بسطة للفواكه كان يقف بها حوالي الأربعة رجال بثياب رثة ، وجميعهم أصحاب ذقون حتى نهاية الصدر ، عمي هذا من عشاق الفواكه ، إنه يسافر لبلدان العالم ويدخل في أجمل البوفيهات ليتناول الفاكهة ، ويترك باقي الطعام !

برغم هذا عاد بعد دقائق إلى السيارة ولم يبتع شيئاً ، وقال في قرف : " شوف الكذابين ! "

بحلقنا بعيوننا متسائلين عن الكذابين هؤلاء ، تقدم بالسيارة قليلاً ليتيح لنا رؤية الصناديق التي وراء الرجال وقال : " اقرءوا ايش مكتوب على الكراتين ! "

لقد كان هنالك اسم على الصناديق ثم ( فاكهة اليمن ) .. وثمة فتى يفرغ من هذه الصناديق ويعبئها في صناديق كتب عليها ( .... فاكهة الطائف ) !!

تابع حديثه قائلاً : " شفت الصناديق اللي وراهم مكتوب عليها فاكهة اليمن ، واسألهم أقول لهم دي فواكه من الطايف ، يقوموا يقولوا طبعاً كله من الطايف ، الكذابين ، ولا اشتريت منهم خلي كذبهم ينفعهم !! "

لقد كان من المفترض أن نذهب لمكان يؤجر بيوت الشعر ، ولكن عندما ذهبنا أخبرونا أنها لن تفرغ حتى الساعة الثانية والنصف أي أن أمامنا أكثر من ساعة ، فذهبنا لإحضار الغداء ..

توقفنا لدى مطعم يبيع المشويات ، وفي خلال انتظارنا انتقلت أنا للأمام حتى نتوسع قليلاً ، وكانت أعصاب بنات عمي ثائرة بسبب الازدحام الذي سببته لهم في السيارة ، أي والله ، لقد سببت لهم ازدحاماً فظيعاً وهم من النوع الذي يرغب في التمتع بكامل حقوقهم طوال الوقت ، والتنعم ما داموا على قيد الحياة !

أخذت أعبث في كل ما وقعت عليه يدي ، واكتشفت أن ولاعة السجائر التي في السيارة لا تعمل ، هذا أفضل فقد لسعت ذات مرة عندما كنت أعبث بولاعة للسجائر في سيارة أخي ، وارتديت نظارة عمي ، وأخرجت سكينه الخاصة ، وقارنتها بسكيني ، وقطعاً كانت سكيني الأجمل !

ورأيت المخالفة التي تلقاها عمي لأنه نسي أن يجدد رخصة السواقة الخاصة به !

ثم تلقيت أمراً بالطرد من صعلوكة تبلغ الأربعة أعوام من السيارة ، إنها هكذا ما أن تثور أعصابها حتى تقوم بطرد كل من زهدت به نفسها وعادة ما أكون أنا !

فخرجت من السيارة ووقفت لأجد بعد قليل أن خالتي قد تلقت قراراً بالطرد أيضاً ووقفت بجانبي !!

العجيب أننا لو فعلنا هذا في مكة أو جدة فلن يكون شكلنا ملفت للنظر جداً ، خصوصاً وأننا لا نبدو كمن يستجدي المعاكسات ، ولكن على العكس الأمر هنا في الطائف ، ياترى لماذا ؟!

فعدت إلى السيارة وتبعتني خالتي ، وما إن جلست حتى قالت ابنتها : " روحي عند الحجة !! "

والحجة لدينا هو مسمى لأولئك الإفريقيات المتخلفات ، واللاتي يعدون ورائي عندما أكون عائدة من الجامعة للشحاذة !!

بنات آخر زمن !

وأمام خيمة الشعر مددنا سفرة الطعام وبدأنا بالأكل ، وبعد هنيهة سمعت أحدهم يقول  :" مطرة !! "

ظننت أن الخبل قد أصابه ، ففردت كفي لأختبر الوضع ، ولكن رأيت الزيت البرتقالي يتجمد في جزء من طبقي البلاستيكي بعد أن سقطت عليه قطرة مطر باردة !

وبدأ المطر في الهطول وازداد ، فأخذوا يحملون الأطباق والأكياس والسفر سريعاً لداخل الخيمة ، وكنت من النذالة أنني اكتفيت بحمل طبقي !

انتهيت من الأكل بسرعة ووقفنا تحت المطر الغزير ، وفجأة تلقيت ضربة على ظهري آلمتني ، وهناك من يقول : " بااراااد " لقد كانت مجرد قطعة برد ضخمة !

عجيب ، كيف أنني لا أشم رائحة الأرض ههنا كما يحدث في مكة ، إن الأرض لدينا عطشى ، ما إن يهطل القليل من الأرض حتى تفوح تلك الرائحة المحببة ، إن استنشاقها يشعر الإنسان بالخدر الجميل !

قريباً من المغرب استلقيت لأرتاح ، ذهبت في النوم قليلاً عندما استيقظت على ضربة في ساقي وكرد فعل طبيعي جداً قمت بركل من يجلس عند قدمي وكانت ابنة عمي ( عم آخر ) وقد كانت تشرح لأحدهم شيئاً ما وتمثل له ونتيجة للركلة فقدت قدرتها على التنفس لفترة وزاغت عيناها !

لا بد أنني كنت مثالاً جيداً في شرح أن لكل فعل ردة فعل !!

·          * *

كنت أقف مع ابنة خالتي في ذلك المحل المحترم ، لا نلوي على شىء كديدن الذين لا يملكون مالاً ننتظر من الباقيات أن يفرغن ، ولأنه كبير ومحترم فكان ثمة العديد من المقاعد المعدة للجلوس .. ولكن برغم هذا رأيت إحدى النسوة اللائي يرتدين عباءة على الرأس تزيح الملابس المعروضة على طاولة زجاجية منخفضة وتجلس عليها !

فأسرع ذاك اللبناني ليخبرها أن هنالك مقاعد مخصصة للجلوس ، فلا داعي لتحطيم الطاولات الزجاجية للمحل ، والجملة الأخيرة من إضافتي !

لماذا هذا التصرف الأرعن ؟

لماذا الإصرار على تشويه صورة المتدينات ، أو على الأقل اللائي يرتدين عباءات على الرأس ؟

أنا أرى أن هذا التصرف أكبر تشويه ، لا تأمروا بالمعروف و لاتنهوا عن المنكر إن لم تقدروا على ذلك ، ولكن على الأقل لا تشوهوا صورة الإسلام !

إن أكبر خدمة يمكن أن تقدمها لدينك الحبيب ، هو أن تجعل صورته جميلة لينجذب إليه الناس ، أحسن التصرف ، فديننا يهتم بالأخلاق تماماً كالعبادات ..

* * *

بعد أن تناولنا العشاء أخذت زهرة السماء تناقش بجدية مسألة ركوبي معهم ، ولكن بالطبع بشكل لطيف حيث قالت :" ما في مكان لدودي في سيارتكم ؟ "

فقالت أمي : " ما في مكان ، مكان أعماق فيه ثلاجة الموية ، وحتى دودي مالها مكان !"

فأخذت تقترح عدة اقتراحات بشأن ثلاجة الماء ، عندها شعرت بالخزي ولملمت حاجياتي في صمت وخرجت إلى السيارة وطلبت من أخي أن يخرج ثلاجة الماء ويحشرها في أي مكان حتى لو كان هذا المكان في سيارة أخرى ، وبالفعل حشرها في سيارة أخرى !!

وكانت السيارات جميعها مغبرة بسبب ابتلالها والتصاق الأتربة بها ، فأخذنا نرسم ونكتب عليها ، كتبنا الحب عذاب تيمناً بما نراه مكتوباً في الشوارع متساءلة هل من يكتب هذه الجمل يعنيها أم هو مجرد عمل تخريبي للترفيه ، وهناك من قام برسم قارب يبحر على ضوء القمر وكتب رمضان كريم وكل عام وأنتم بخير ، لكن أختي قامت بمحوها عندما انتهينا!!

تكومت في المقعد الخلفي وأنا أشعر بأنفاسي مضطربة بسبب الطرد الغير مباشر ، ولكن بعد قليل تذكرت النصيحة التي نصحت بها نفسي ، وهي أن أتذكر الأعمال الحسنة لهذا الشخص ، إنها بالفعل طريقة فعالة ، جربوها عندما تشعرون بالغضب من أحدهم !

هل تصدقون أن هذه النصيحة هي من ( لولو الصغيرة ) الفيلم الكارتوني ؟

عندما فعلت ، شعرت عندها بحماقتي الكبيرة ، لماذا علي أن أغضب من هذه الزهرة التي تسير على الأرض ؟!

إنها بالـــ .. ــفــ .. ـعـ .. ـلللل

لقد كان النوم ، ما أجمل النوم في السيارة ، كم هي لذيذة وممتعة اهتزازاتها ، إنها قطعاً تذكرنا بشيئاً ما ، ربما عندما كنا في بطون أمهاتنا ، لذلك نشعر بالاستمتاع والحنان العجيب فننام كالقتلى !