::ومن يؤتَ الحكمة ::مكاتيب ::مجرد ثرثرة ::الرئيسة :: زاوية أخرى ::هنا نجوى..حوّل

 

تهادوا

3-3-1424هـ

 

أذكر شيئاً عن نص في مادة المطالعة في الصف الثاني الابتدائي ، عن هند وهي تبحث عن هدية لا أذكر لماذا ولا ما استقرت عليه في النهاية ، ولكنه كان موضوعاً لطيفاً بالفعل !

لا أعتقد أن هناك أحد لا يحب الهدايا .. في معظم الأوقات نستطيع أن نحصل على ما أهدي لنا بمالنا الخاص ولكن أن يعطينا هي شخصٌ آخر ، فهذا شىء مميز ، له مذاق خاص .. فعوضاً على أن يكون مجرد شىء فقد ارتقى ليصبح معنى ، وكلمات خفية ورسالة رقيقة مهذبة يخبر فيها أحدنا الآخر أنه يهتم لأمره .

عندما كنا في الطائف في إحدى المرات ، شاهدت محلاً اسمه " تهادوا تحابوا " .. إنها تسمية لطيفة رائعة ومعبرة ، وعلى النقيض ، بعض الأسماء مثل غزل ودلع واللزي منو للهدايا !

ولكن في الضفة الأخرى ما هي مشاعر الشخص المـُـهدي ؟

إن أكثر ما يؤرقني في عملية الشراء ، هي ماذا ستكون الهدية .. كيف تشتري الهدية المناسبة ، للشخص المناسب ، على ألا يلقي بها منذ أول دقيقة تعطيه قفاك مغادراً ؟!

إن استطعت أن تجد الهدية المناسبة التي تتوفر بها الشروط السابق ذكرها في السؤال ، فأنت نصف محظوظ ، لأن النصف الآخر سيكون منوطاً بالمهدى إليه !

أنا أخبركم لماذا ، لأن الهدية لن تكون مناسبة إلا أن كان هذا الشخص بحاجة إليها ، وبما أنه بحاجة إليها فهذا يعني أنك مهدد في أي لحظة بأن يقوم هو بشراء ما قمت أنت بابتياعه كهدية له ، وإن لم يكن بحاجة إلى الهدية  فسيلقي بها عندما ( تقلب قفاك ) كما أسلفت !

أقرب لكم الموضوع ( ! ) .. إن أسوء من أهديت لهم ، هو أخي !

في إحدى حفلات النجاح أردت أن أشتري له هدية ، فأخذت أفكر وأفكر ، حتى إذا كنت معه في السوق ورأى حقيبة أعجبته جداً ولكنه توقف عنها لأسبابٍ نسيتها ، فغافلته أنا وأختي وابتعتها له ، وعندما وصلنا إلى المنزل ، اكتشفت أنني أنا المغفلة فقد ابتاعها هو أيضاً !

ربما هي الصدف .. وذهبنا من جديد ورأى حذاءً أراده بشدة ولكنه لم يملك المال ، وعندما عدت إلى المنزل قلت لما لا إنها الهدية المناسبة ، ووصيت أختي لتبتاعه ، وقبل أن تذهب هي إلى السوق سبقها أخي .. ودخل إلى المنزل ووجهه ينطق بالسعادة ، وأخذت أنظر إلى الحذاء في قدميه وقد فقدت قدرتي على النطق !

لا أذكر مالذي فكرت فيه بعد ذلك ، ولكن ما أعرفه أنها أربع مرات متتالية أجده وقد دخل بما اشتريته له أو فكرت بشرائه ، حتى أنني أنهرت وأخذت أبكي بكاء يقطع نياط القلوب !

وعندما فكرت ذات مرة أنني لن أفكر بما سأشتريه له ، بل سأبتاع أول ما يعجبني ، وجدت هديتي ملقاة بعد أيام مهملة في ركن من أركان المنزل .. لأنه ببساطة لم يكن بحاجة إليها !

صحيح أن النتائج لم تأتِ بعد ولا الإختبارات النهائية أساساً ولكني فكرت في الهدية المناسبة لهذا العام ، حتى أتخلص من همها ، فلم أجد أفضل من ( شريحة جوال ) فقد أبدى رغبته في الحصول على واحدة كثيراً .. وبيّـتُ النية !

وعندما استيقظت اتصل عليّّ من رقم غريب ليخبرني أن هذا هو رقمه !!!

ولكن برغم هذا ، تجد نفسك تحتفظ بأشياء صغيرة لا تحتاجها وليس لها أهمية أو قيمة في نظر الغير ، ولكنها تمثل لك مشاعر لا يمكن وصفها ، لمجرد أن عزيزاً أهداك إياها .. عندما يقولون أحياناً أن الجمال هو جمال الروح ، يعلق البعض قائلاً بأن قائل هذه العبارة لا بد وأنه كان قبيحاً .. ربما !

ولكن عندما يقولون أن الهدية ليست في قدر المال الذي دفعته فيها ، فهذا لا يعني بالضرورة أن القائل كان فقيراً .. لأنه عندما يعطيك أحداً شيئاً ولو بسيطاً ، فإن هذا يعني الكثير ، يعني أنه يهتم لأمرك ، يعني أنه لم ينسك ، ويعني أنك شخصاً مميزاً بالنسبة إليه .. أنا ذاتي أحتفظ بأشياء غبية ، لمجرد أن أحداً أكن له في قلبي أعطانيها .

* * *

عندما نتبادل الهدايا ، ويتعانق الجميع ، ونغني الأغاني الجماعية التافهة ثم صوت إنفجار بالون ليبتسم أحدهم بعدها وهو يقول " مو قصدي أفقعها " جميعها تجعل الإنسان ينسى كل ما حوله وما عاناه ، ويعيش سحر تلك اللحظة .. ثم بعد دقائق تجد كل واحدٍ منهم وقد جلس القرفصاء ، ينزع تغليف هديته وتنطلق عبارة من هنا وهناك : " واو " و " شكراً أبلة أعماق " و شكراً يا ( أي أحد ) ..

إنها أحد أجمل الأوقات ، لا تضيعوا على أنفسكم الفرصة ..

لقد انتهى مالدي من كلام ، ولكن كلمة أخيرة أقولها  " تهادوا تحابوا وتصافحوا يذهب الغل عنكم‏"

ابن عساكر عن أبي هريرة‏.