::ومن يؤتَ الحكمة ::مكاتيب ::مجرد ثرثرة ::الرئيسة :: زاوية أخرى ::هنا نجوى..حوّل

 

طرش البحر

17-3-1424هـ

أحياناً تكون مواقف متكررة في حياتنا ، متكررة لدرجة أنها أحياناً تفقد معناها ، تماماً كما تردد كلمة مألوفة ، وبعد فترة من الترديد المتوالي تجد أن الكلمة قد أصبحت غريبة ، مجرد حروف تتعجب كيف كان لها معنى خاص بها .

وأحياناً بعض المواقف تفقد معناها لدى أشخاص ولكنها تبقى ذات تأثير ساحق لدى آخرين .. تماماً كالمواقف التي نتعرض لها أحايين كثيرة ، نحن الذين لسنا من أصول عربية هنا .. لست من أصل عربي ، أنا كذلك ..

كنت أستمع إلى سيرة الفاروق رضي الله عنه ، لطارق السويدان ، عندما وصل إلى ذلك المقطع الذي حكى فيه عن رفض عمر رضي الله عنه لبقاء المسلمين من غير العرب في المدينة .. إنني أحب عمر رضي الله عنه ، و حكمته ، و له قدراً عظيماً في قلبي ، وأحترم جداً رأيه في هذا الموضوع ..

 ولكن هل أستطيع القول بأنني لم أتأثر؟ ، حينها سأكذب .. بل تأثرت ، وتألمت لبرهة .. وكلما تذكرت ذلك تألمت برهة أخرى ، حتى أصبحت البره جبالاً من الألم !

* * *

يطلقون علينا ( طرش البحر ) ، أي ما قام البحر بإلقائه من جوفه إلى هنا .. تسمية لطيفة أحبها وأفخر بها ، برغم ما تحمله من جانب آخر يتضمن معانٍ ساخرة ..

مديرة مدرسة ثانوية ، تتجرأ طالبة وتقول لها : " روحي يا طرش البحر " .

في مدرستنا طالبة سعودية من أصل باكستاني ، تشاجرت في يوم مع طالبة أخرى ، فأخذت ( الأخرى ) تقول لها :" الباكستانية تحت جزمة الزهرانية " .. ولم تعرف الفتاة الأخرى بم ترد .

وأستاذة وهي تشرح لم تعرف كيف توصل معنى كلمة " هذرة " وهو الكلام الذي ليس له معنى ، فقالت : " زي كلام الشغالات لمن يتكلموا مع بعض " .. استحلفكم بالله أهذا يسمى بالهذر ؟

إنها لغة أخرى ، إن عدم فهمنا لها لا يعني بالضرورة أنها هذر !

وآخر يتحدث باشمئزاز عن أحد ( طرش البحر ) فيقول بأن كلامه نصفه عربي ونصفه لغة أخرى .. متناسياً أن اللغة الأخرى هي لغة يجيدها ( طرش البحر ) هذا ، وهو عندما يتحدثها فهو يتحدث إلى من يعمل عنده بلغته ، وبطريقة أخرى فهو يتحدث لغة أخرى !

ثم كانت مجموعة من الفتيات كنت أمشي معهم لفترة ولكن تركتهن ، كانت عندما تمر امرأة سوداء البشرة ، فإنهن يتغامزن ، وعندما تمضي ينغمرن في الضحك ، أو يعلقن :" الله يا هووه " !

ثم أخبرتني صديقتي أن أحد أقربائها يحمل ملامح شرق آسيوية برغم أنه من أصل عربي خالص ، كان في أحد ملاهي جدة التي يكثر فيها النجديين ، فأخذوا يقولون له : " رح يا طرش البحر " .. فأخذ يقول مضطراً لكل من يتعرض له بأنه بدوي مثله إلا أن الله قد وهبه هذا الشكل ..

 

نعم لقد وهبه الله هذا الشكل ، وهو بقادر على أن يهبه لآخر وآخر ، وهو أيضاً قادر على وضع روح من يستهزأ بجنسية معينة في شكلٍ يشبهه .. هل هناك من يجرأ أن يقول بأنه لا يستطيع ؟

 

عندما يكون الشخص صاحب شخصية قوية ، فإنه قليلاً ما يتعرض لمثل هذه المواقف ، وإن تعرض فإنه بشكل ما يستطيع السيطرة عليها .. إحدى قريباتي تدرس في المرحلة المتوسطة ، ذات شخصية قيادية قوية ، وكانت كثيراً ما توكل إليها أعمال الفصل ، فكانت أحياناً عندما تقترح شيئاً ، يعبن الفتيات اقتراحها وكذلك ( أصلها ) ، عندها تقول لهم : " اسكتوا إنتو إيش فهمكم يا بدو " !!

ولم تعد الفتيات بعد ذلك يذكرن شيئاً عن أصولها ..

لماذا نحتاج لأن نقسوا على بعضنا البعض حتى نحصل على قليلٍ من الإحترام .. لماذا لا ينظر الإنسان إلى خطابات الله في دينه الذي يدين به ، عندما تقول لأحدهم قوله تعالى : " لا فرق بين عربي ولا أعجمي " لا يوقفه هذا الأمر عند حده ، ولكن عندما تقول له :" إنت أصلاً بدوي " أو أي مصطلح مشابه يكون هذا أمراً مؤثراً أكثر من الآية ..

ثم هذه شخصيتها قوية ، وأنا أصفها بالشجاعة لأنها تستطيع أن تقول ما تقول من دون خوف ، ولكن ما موقف الآخرين الذين لا يستطيعون سوى الإنكماش أمام مواقف كهذه ؟

يصفون لنا الدواء بقولهم : " طنش ، تعش ، تنتعش " ، ولكن إلى أي حد يستطيع الإنسان أن يغمض عينيه وإلى متى يستطيع أن يغطي أذنيه ؟

إن ( التطنيش ) ليس دواءً ، إنه مجرد مسكن للآلام ، بينما المرض ينهش في جسمك .. إن الدواء عندما ينتهي العرب من الإعتقاد بأنهم أفضل مخلوقات الأرض لسببٍ غير معروف ، خصوصاً وأنهم قد ابتعدوا كثيراً ، وكثيراً جداً عن الإسلام ، هل من العجيب أن أذكر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه الآن ؟

" نحن قوم أعزنا الله بالإسلام ، فإذا ابتغينا العزة بغيره ، أذلنا الله " .. لقد ابتغى كثير من العرب العزة في غيرك يا إسلام ، فبما يفاخرون علينا ؟